فخر الدين الرازي
261
تفسير الرازي
إلا عند حصول المنتفع وحصول المنتفع به ، وهذان لا يحصلان إلا بتكوين الله وإيجاده ، فهذا مما يوجب عليهم الانقياد لله ولتكاليفه وترك التمرد والإعراض ، وأما من حيث الرهبة فلأنه قدر على أن يميتهم ، وعلى أن يسلب النعمة عنهم ، وعلى أن يلقيهم في كل محنة وبلية ، فلأجل من فوت هذه اللذات العاجلة يجب عليهم أن ينقادوا لله ، وأن يتركوا هذا التمرد ، وحاصل الكلام كأنه قيل لهم : هب أن حبكم لهذه اللذات العاجلة طريقة مستحسنة ، إلا أن ذلك يوجب عليكم الإيمان بالله والانقياد له ، فلو أنكم توسلتم به إلى الكفر بالله ، والإعراض عن حكمه ، لكنتم قد تمردتم ، وهذا ترتيب حسن في السؤال والجواب ، وطريقة لطيفة : وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال أهل اللغة : الأسر الربط والتوثيق ، ومنه أسر الرجل إذا وثق بالقد وفرس مأسور الخلق وفرس مأسور بالعقب ، والمعنى شددنا توصيل أعضائهم بعضاً ببعض وتوثيق مفاصلهم بالأعصاب . المسألة الثانية : * ( وإذا شئنا بدلنا أمثالهم ) * أي إذا شئنا أهلكناهم وآتينا بأشباههم فجعلناهم بدلاً منهم ، وهو كقوله : * ( على أن نبدل أمثالكم ) * والغرض منه بيان الاستغناء التام عنهم كأنه قيل : لا حاجة بنا إلى أحد من المخلوقين البتة ، وبتقدير أن تثبت الحاجة فلا حاجة إلى هؤلاء الأقوام ، فإنا قادرون على إفنائهم ، وعلى إيجاد أمثالهم ، ونظيره قوله تعالى : * ( إن يشاء يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديراً ) * ( النساء : 133 ) وقال : * ( إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد * وما ذلك على الله بعزيز ) * ( إبراهيم : 19 ، 20 ) ثم قيل : بدلنا أمثالهم أي في الخلقة ، وإن كانوا أضدادهم في العمل ، وقيل : أمثالهم في الكفر . المسألة الثالثة : قال صاحب الكشاف في قوله : * ( وإذا شئنا ) * إن حقه أن يجيء بأن لا بإذا كقوله : * ( وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ) * ( محمد : 38 ) * ( إن يشأ يذهبكم ) * ( النساء : 133 ) واعلم أن هذا الكلام كأنه طعن في لفظ القرآن ، وهو ضعيف لأن كل واحد من إن وإذا حرف الشرط ، إلا أن حرف إن لا يستعمل فيما يكون معلوم الوقوع ، فلا يقال : إن طلعت الشمس أكرمتك ، أما حرف إذا فإنه يستعمل فيما كان معلوم الوقوع ، تقول : آتيك إذا طلعت الشمس ، فههنا لما كان الله تعالى عالماً بأنه سيجيء وقت يبدل الله فيه أولئك الكفرة بأمثالهم في الخلقة وأضدادهم في الطاعة ، لا جرم حسن استعمال حرف إذا . * ( إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَن شَآءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * وَمَا تَشَآءُونَ إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ) * . واعلم أنه تعالى لما شرح أحوال السعداء وأحوال الأشقياء قال بعده : * ( إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً وما تشاءون إلا أن يشاء الله ) * والمعنى أن هذه السورة بما فيها من